القرطبي

60

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

أرني ، فأريتها فقالت : جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] ثم نظرت إليّ وقالت : اعلم أنه لو لم تفترض عليّ طاعتك لما أويت إليك ، فدع لي ليلي أو نهاري لأتزوّد فيه لآخرتي ، فقلت : لا ولا كرامة ، فغضبت ، وقالت : أتحول بيني وبين ربّي ، وقد آذنني بلقائه ، اللهم بدّل حبّه لي بغضا . قال : فبت وما شيء أحبّ إليّ من بعدها عني ، وعرضتها للبيع ، فأتاني من أعطاني فيها ما أريد ، فلما عزمت على البيع بكت ، فقلت : أنت أردت هذا ، فقالت : واللّه ما اخترت عليك شيئا من الدنيا ، هل لك إلى ما هو خير لك من ثمني ؟ قلت : وما هو ؟ قالت : تعتقني للّه عزّ وجلّ ، فإنه أملك لك منك لي ، وأعود عليك منك عليّ ، فقلت : قد فعلت ، فقالت : أمضى اللّه صفقتك وبلّغك أضعاف أملك ، وتزهّدت فبغضت إليّ الدنيا ونعيمها . وقال عبد اللّه بن أبي نوح : رأيت كهلا بمسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا يزال ينفض الغبار عن جدرانه بسعفة ، فسألت عنه ، فقيل : إنه من ولد عثمان بن عفان رضي اللّه عنه وأن له أولادا وموالي ونعمة موفورة ، وأنه اطّلع في مرآته فصرخ وجنّ ولزم المسجد كما ترى ، وإذا أراد أهله أن يأخذوه ليداووه ويصونوه هرب منهم ، وعاذ بالقبر المكرم فتركوه ، فرقبته نهارا فلم أر منه اختلالا ، ورقبته ليلا فلما ذهب جنح من الليل ، خرج من المسجد فتبعته حتى أتى البقيع فقام يصلي ويبكي حتى قرب طلوع الفجر ، فجلس يدعو ، وجاءت إليه دابة لا أدري أشاة أم ظبية أم غيرها ، فقامت عنده وتفاجت فالتقم ضرعها فشرب ثم مسح ظهرها ، وقال : اذهبي بارك اللّه فيك ، فولّت تهرع ، فانسلك ، فسبقته إلى المسجد فأقمت ليالي أخرج بخروجه إلى البقيع ولا يشعر بي ، وسمعته يقول في مناجاته : اللهم إنك أرسلت إليّ ولم تأذن لي ، فإن كنت قد رضيتني فأذن لي ، وإن لم ترض فوفقني لما يرضيك ، قال : فلما حان رحيلي أتيته مودّعا فتجهّمني ، فقلت : أنا صاحبك منذ ليال بالبقيع ، أصلي بصلاتك ، وأؤمن على دعائك ، قال : هل أطلعت على ذلك أحدا ؟ قلت : لا . قال : انصرف راشدا ، قلت : ما الرسول الذي أرسل إليك ؟ قال : اطّلعت في المرآة فرأيت شيبة في وجهي ، فعلمت أنها رسول اللّه إليّ ، فقلت : ادع لي ، قال : ما أنا أهل لذلك ، ولكن تعالى نتوسّل إلى اللّه برسوله « 1 » ، فقمت معه تجاه القبر

--> ( 1 ) التوسل إلى اللّه برسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ، توسّل غير شرعي ، إذ التوسل عبادة ، والعبادة لا يجوز فعلها إلا بدليل ، واللّه ورسوله لم يشرعا لنا أن نتوسل بغير اللّه جل وعلا ، أو بالدعاء الشرعي ، الذي علّمنا إياه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم . ويا طالب الحق ، ويا طالب النجاة ؛ إن أردت الاستنارة والاستفادة والهدى المستقيم والحق -